من السيادة الثقافية إلى النهضة الرقمية: قراءة في حصيلة “التحول الشامل” لوزارة الشباب والثقافة والتواصل

لم تكن الفترة الوزارية للمهدي بنسعيد على رأس وزارة الشباب والثقافة والتواصل مجرد محطة عابرة في التدبير الحكومي، بل كانت بمثابة “ثورة هادئة” أعادت صياغة مفهوم الفعل الثقافي في المغرب.
بصفته مسؤولا آمن بأن الثقافة ليست قطاعا استهلاكيا يعيش على الدعم، بل هي “صناعة” قائمة الذات، نجح بنسعيد في تحويل الوزارة إلى محرك اقتصادي ودبلوماسي. خلال الفترة ما بين 2022 و2026، انتقل المغرب من مرحلة “الحفاظ على التراث” إلى مرحلة “استثمار التراث”، ومن “تنشيط الشباب” إلى “تمكين الشباب” عبر أدوات رقمية واقتصادية مبتكرة، مما جعل الثقافة المغربية حاضرة بقوة في قلب معادلات التنمية والسيادة الوطنية.
يعد قرار نقل المعرض الدولي للكتاب والنشر (SIEL) من الدار البيضاء إلى الرباط أحد أجرأ القرارات التي اتخذها بنسعيد هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل كان إعادة ابتكار لهوية المعرض. فبعد أن كان يُنظر إليه كفضاء تجاري ضيق، تحول في الرباط إلى “احتفالية وطنية” كبرى. الأرقام تؤكد صواب الرؤية؛ إذ قفز عدد الزوار من 200 ألف إلى أكثر من 400 ألف زائر بحلول 2025. وبميزانية طموحة بلغت 45.8 مليون درهم لدورة 2026، كرس الوزير مفهوم الجودة اللوجستية، محققا رقم معاملات لدور النشر يناهز 130 مليون درهم سنويا. هذا النجاح جعل من الرباط، “عاصمة الأنوار”، قطبا عالميا للكتاب، مكرسا بذلك مصالحة تاريخية بين المواطن المغربي وفعل القراءة في فضاءات عصرية تليق بصورة المملكة
في الوقت الذي كانت فيه الحكومات السابقة تتعامل مع “الألعاب الإلكترونية” كنوع من الترفيه العابر، كان لبنسعيد نظرة استشرافية مغايرة. لقد أدرك أن سوق الألعاب هو الأسرع نمواً عالمياً، فأطلق مشروع “مدينة الألعاب بالرباط” باستثمار ضخم قدره 260 مليون درهم. هذا المشروع لم يكن مجرد مبان، بل هو “منظومة بيئية” متكاملة تضم استوديوهات عالمية وحاضنات للمقاولات الناشئة. ومن خلال تنظيمه لأول معرض للألعاب الإلكترونية، وضع المغرب على خارطة الاستثمار الدولي، مستهدفا رفع رقم معاملات القطاع إلى 30 مليار درهم. إنها استراتيجية تعتمد على استغلال “الكتلة الرقمية الحرجة” في المغرب، حيث يمتلك أزيد من 25 مليون مغربي هواتف ذكية، لتحويلهم من مستهلكين للتقنية إلى منتجين لها.
خاض المهدي بنسعيد معركة “السيادة الثقافية” على جبهات متعددة، كان أبرزها حماية الرموز المغربية من السطو والتحريف. من خلال إطلاق “علامة المغرب” بالتعاون مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية، أسس الوزير لدرع قانوني يحمي “الزليج” و”القفطان” و”التكشيطة” من الاستغلال غير المشروع. ولم يتوقف الأمر عند الحماية القانونية، بل امتد للتوثيق العالمي؛ حيث توجت مجهوداته بتسجيل القفطان المغربي في قائمة اليونسكو للتراث غير المادي في ديسمبر 2025. هذه الخطوة لم تكن رمزية فقط، بل كانت تهدف إلى تحويل هذه المورثات إلى “صناعات ثقافية مهيكلة” تدر الدخل على الحرفيين وتضمن استمرارية المهارات المغربية العريقة عبر منحهم شارة التراث”.
آمن بنسعيد بأن الثقافة يجب أن تكون “ديمقراطية” ومتاحة لكل مغربي، بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو مستواه المادي. من هنا جاء تطبيق “جواز الشباب” الذي أصبح اليوم في جيوب أكثر من 250 ألف شاب، مع طموح للوصول إلى 2.6 مليون مستفيد. هذا الجواز الرقمي ليس مجرد تطبيق، بل هو جسر يربط الشاب بالمتاحف، والمآثر التاريخية، والمسارح، والخدمات البنكية بأسعار تفضيلية. و بالموازاة مع ذلك، أطلق الوزير مشروع “150 قاعة سينمائية” في مختلف جهات المملكة، مستهدفاً المدن الصغرى والمتوسطة. هذا المشروع أعاد إحياء “ثقافة الشاشة الكبرى” وخلق رواجاً للأفلام المغربية، مما كسر الهيمنة الثقافية للمدن الكبرى ووزع الثمار الفنية بعدل على كل المغاربة.
في قطاع السينما، تحول المغرب في عهد بنسعيد إلى “مغناطيس” للإنتاج العالمي. فمن خلال رفع نسبة الدعم المالي للإنتاج الأجنبي إلى 30%، قفزت الاستثمارات السينمائية الدولية في المغرب إلى 1.5 مليار درهم بحلول 2024. هذا القرار لم ينعش الخزينة فحسب، بل خلق آلاف فرص الشغل لتقنيين وفنانين مغاربة. أما في قطاع المسرح، فقد أبدع بنسعيد مبادرة “المسرح يتحرك” التي ضمنت للفنانين حقوقهم المادية والمعنوية خلال فترات الركود، من خلال شراء حقوق بث 60 عملاً مسرحياً لصالح القنوات العمومية والمنصات الرقمية، مما جعل المسرح المغربي يطرق أبواب البيوت عبر “القناة الثقافية” في حلة رقمية عصرية.
لم يكن قطاع الإعلام بمنأى عن رياح التغيير؛ فقد وضع بنسعيد خارطة طريق لإعادة هيكلة القطب العمومي (ميدي1 تيفي والقناة الثانية والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة) لضمان “السيادة الإعلامية”. من خلال دفاتر تحملات جديدة وعقد برنامج طموح، سعى الوزير إلى توحيد الرؤية وحوكمة الموارد لمواجهة تحديات “الأخبار الزائفة” وتغوّل المنصات العالمية. بنسعيد دافع بشراسة عن “المقاولة الصحفية الصغرى والمتوسطة” المغربية، معتبرا إياها ركيزة للديمقراطية، حيث أقر صيغة دعم جديدة تربط المنحة العمومية بالاستثمار في الجودة والاحترافية، مع تخصيص ميزانية استثنائية لدعم “الحق المعنوي” للصحفيين، مما عزز من كرامة المهنيين واستقرارهم المادي.
في حصيلة المهدي بنسعيد نجد خيطا ناظما يربط كل هذه المبادرات: إنه التوفيق بين “الأصالة المغربية” و”الحداثة الرقمية”. لقد أثبت بنسعيد أن الشاب المغربي يمكنه أن يفتخر بـ “زليجه” و”قفطانه” في الوقت الذي يبدع فيه في “برمجة الألعاب الإلكترونية” أو “إخراج الأفلام العالمية”.
هذه الرؤية الشمولية جعلت من المغرب نموذجا إقليميا في كيفية إدارة الشأن الثقافي. يبقى التحدي القادم هو الحفاظ على هذا الزخم، وضمان أن تظل الثقافة المغربية قوة اقتصادية ناعمة، تعزز صورة المملكة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، وتجعل من “المغرب الثقافي” رقما صعبا في المعادلة الدولية.



