الرئيسيةثقافة

مشروع حسن الفد: حين تصبح “الضحكة” موضوعاً للبحث السوسيولوجي

لم يكن اللقاء الذي احتضنته قاعة “ابن بطوطة” بمعرض الكتاب بالرباط مجرد حفل توقيع بروتوكولي، بل كان محاكمة فكرية لنمطية التعامل مع الكوميديا في المغرب.

 

من خلال كتاب “الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد”، اختار باحثون وأكاديميون مغاربة مغادرة قاعات المحاضرات الضيقة لتشريح تجربة فنية استطاعت، على مدار عقود، اختراق الوجدان الشعبي المغربي، محولين “النكتة” من استهلاك يومي عابر إلى مادة دسمة للتحليل والمساءلة العلمية.

 

بصراحته المعهودة التي لا تخلو من مرارة، وضع حسن الفد إصبعه على الجرح الثقافي المغربي حين توقف عند سؤال: “من هو الفد ليُكتب عنه كتاب؟”. هذا السؤال، الذي قد يبدو عابراً، يختزل في طياته نظرة “دونيوية” لازالت تلاحق الكوميديين، حيث يُنظر للفكاهة كترفيه سطحي لا يرقى لمصاف الفنون “الرفيعة”.

الفد، ومن خلفه الأكاديميون، حاولوا من خلال هذا الإصدار إثبات أن الضحك هو الفعل الأكثر جدية في فهم بنية المجتمع وتناقضاته مع المقدس والذاكرة.

 

تكمن قوة مشروع الفد، كما ناقشها اللقاء، في قدرته الفائقة على صياغة “أنثروبولوجيا محلية” عبر شخصيات تبدو بسيطة لكنها محملة برمزيات معقدة.

فمن “كبور” إلى “الحبيب”، لا يقدم الفد مجرد شخصيات مضحكة، بل يقدم نماذج بشرية تعكس صراع الهوية، والأمية الاجتماعية، والذكاء الفطري المغربي.

الكتاب الجماعي يسعى لفهم كيف استطاع الفد ممارسة “المقاومة الفنية” ضد الرداءة والنمطية، محولاً الشاشة الصغيرة إلى مرآة صادقة، وأحياناً قاسية، لواقعنا المعيش.

 

يمثل هذا الانتقال من “الركح” و”الشاشة” إلى “الغلاف” و”الورق” خطوة استراتيجية نحو مأسسة النقد الفني في المغرب. إن تكريم حسن الفد أكاديمياً هو في جوهره دعوة لرد الاعتبار للإبداع المغربي خارج منطق “البوز” اللحظي.

ففي الوقت الذي تعاني فيه الساحة الفنية من ضجيج التفاهة، يأتي هذا اللقاء ليؤكد أن الاستمرارية لا تُبنى إلا على مشروع فني رصين يمتلك الشجاعة الكافية لمساءلة الذات والمجتمع تحت مجهر البحث الأكاديمي الرصين.

اعداد: كنزة البخاري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى