
في تندوف، لم تعد الحكاية مجرد اشتباكات عابرة أو توترات قبلية موسمية. ما يجري اليوم داخل المخيمات يبدو أقرب إلى تحول عميق يضرب بنية “البوليساريو” من الداخل، حيث تتقاطع الفوضى الأمنية مع احتقان شعبي متصاعد، في مشهد يوحي بأن شيئًا أكبر يتشكل في الظل.
الوقائع على الأرض تقول الكثير: اشتباكات مسلحة، غياب شبه تام للضبط الأمني، وشبكات تهريب تتحرك بحرية في فضاء يفترض أنه خاضع لرقابة صارمة. المخيمات، التي كانت تقدم كـ“كيان منظم”، تبدو اليوم كمساحة رخوة، تتآكل فيها السلطة تدريجيًا.
في العمق، تتجلى الأزمة في ثلاث مستويات واضحة: أولها تراجع التحكم الأمني، حيث لم تعد الجبهة قادرة على فرض النظام؛ ثانيها تصدعات داخل القيادة، بين تيارات متناقضة حول المستقبل؛ وثالثها الرهان على القمع كوسيلة لاحتواء الغضب، بدل البحث عن حلول سياسية واجتماعية.
داخل المخيمات، يتنامى شعور بأن الزمن توقف، وأن مشروعًا امتد لعقود لم يعد يقنع ساكنته. ومع توالي الضغوط الدولية وتزايد النقاش حول الحلول الممكنة، يبرز خيار الحكم الذاتي كبديل يلقى دعمًا متزايدًا في المحافل الدولية، مقابل تراجع الخطاب الانفصالي.
لكن الأخطر، ربما، هو ما يتجاوز حدود تندوف. فالفوضى هناك لا تبقى محلية، بل تتقاطع مع شبكات الجريمة في منطقة الساحل، حيث تمتد خيوط التهريب نحو مالي والنيجر وبوركينا فاسو. أي انفلات أمني إضافي قد يحول المخيمات إلى بؤرة توتر إقليمي مفتوح.
بين التآكل الداخلي والضغوط الخارجية، تقف “البوليساريو” اليوم عند مفترق طرق حاسم. السؤال لم يعد فقط عن ما يجري داخل المخيمات، بل عن ما الذي سيأتي بعد هذا الانهيار البطيء: انفراج سياسي أم انفجار لا يمكن التحكم فيه؟
اعداد: كنزة البخاري



