
في خطوة تصعيدية جديدة، كشف مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في بيان صادر عنه اليوم، عن تمسكه بموقفه الرافض لقانون مهنة المحاماة، معلناً استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، ومحملاً الحكومة المسؤولية الكاملة عن الأزمة الخانقة التي يعيشها قطاع العدالة منذ أكثر من مائة يوم، في وقت رفع فيه المكتب شعارات حازمة تؤكد أن هذه المعركة ليست دفاعاً عن مكاسب فئوية، بل موقف تاريخي للحفاظ على مكانة المحاماة في دولة الحق والقانون.
جاء هذا الإعلان عقب اجتماع عادي عقده مكتب الجمعية بمقرها بالرباط، خصص بالكامل لتدارس ما وصفته بـ”المستجدات المهنية”، في ظل تطورات متسارعة أحاطت بقانون المهنة الذي أثار جدلاً واسعاً منذ إحالته على المحكمة الدستورية، حيث سجل المكتب، بأسف شديد، ما اعتبره تعاملاً باستخفاف مع هذا النص القانوني الحساس، مؤكداً أن الإحالة تمت “مشوباً بإخلال شكلي غير مفهوم” يضع المؤسسات التشريعية في موضع مساءلة، خاصة في ظل التناقض الملحوظ بين صلب القرار وكتابي رئيسي مجلسي النواب والمستشارين، بخصوص تقديم الملاحظات بشأن القانون الذي توصلت به المحكمة الدستورية وفق كتاب رئيسها.
وشدد المكتب في بيانه على أن معركة المحاماة الراهنة ليست معركة دفاع عن مصالح فئوية، أو رغبة في الاحتفاظ بمواقع أو امتيازات، بل هي موقف للتاريخ دفاعاً عن موقع المحاماة في دولة الحق والقانون والعدالة في المملكة المغربية، وعن مكانة البلاد بين الأمم المحترمة لحقوق وحريات الإنسان. وأكد أن المحاماة شأن عام يهم الوطن برمته، وأن مكانتها المتميزة ضمن منظومة العدالة والمشهد الحقوقي الوطني تشكل ضمانة أساسية للمواطن قبل كل شيء، وهو ما يفرض على المتدخلين السياسيين إبعادها عن أي صراع سياسي، وتجنيبها الرؤى الفردانية القاصرة، والأهواء الضيقة، وصراع المراكز والمؤسسات، حفاظاً على دورها النبيل في تحقيق العدالة.
وفي قراءة قانونية وسياسية عميقة، اعتبر المكتب أن الإشكال الرئيسي في موضوع قانون مهنة المحاماة ليس مجرد إشكال دستورية نصوص من عدمها، بل هو إشكال أعمق يتعلق بالمنهجية المعتمدة وانعدام التشاركية الحقيقية، وعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها، التي جعلت نقاش مشروع القانون حقلاً للمقايضات السياسية والمصلحية بدلاً من معالجته بروح وطنية مسؤولة. وأضاف المكتب أن النص الجديد يشكل ضرباً صريحاً في استقلالية المحامي وحصانته، وتدخلاً سافراً في التنظيم الذاتي للمهنة، وهو ما يتنافى مع القواعد المتعارف عليها كونياً والمؤطرة دولياً، مما يعمق الأزمة ويفاقم حالة الاحتقان في الوسط القضائي.
وحمل المكتب الحكومة، باعتبارها المسؤولة عن المآلات، مسؤولية إيجاد حل عاجل للوضع المتأزم الذي يعيشه قطاع العدالة، محذراً من انعكاساته المؤلمة على المواطن البسيط الذي يدفع ثمن هذا الشلل، وعلى صورة المغرب كدولة مؤسسات وقانون. كما طالبها، بعد مرور مائة يوم من شلل العدالة، بالإجابة بوضوح عن مكانة هذا القطاع ضمن أولوياتها، وعن مدى أهمية حقوق المواطن وصورة الوطن في أجندتها السياسية، معتبراً أن استمرار الأزمة على هذا النحو يطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل العدالة في البلاد.
وعلى صعيد القرارات العملية، قرر المكتب الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، إلى جانب تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعييناً وأداء، في خطوة تهدف إلى تعزيز الضغط على الحكومة لإعادة النظر في موقفها. كما قرر عقد اجتماع استثنائي لمجلس الجمعية بتاريخ الخامس من شهر شتنبر المقبل، في ضيافة هيئة المحامين بالرباط بنادي المحامين بالسويسي، لمناقشة مستجدات الأزمة والخيارات المقبلة.
وفي إطار تصعيدي واضح، شدد المكتب على عزمه تنزيل كافة الخطوات النضالية التصعيدية، وتفعيل مختلف الأشكال الاحتجاجية السلمية، لجعل المرحلة المقبلة محطة نوعية في مسار الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة ومكتسباتها وكرامتها، مؤكداً أنه سيواصل اتخاذ ما تقتضيه تطورات الوضع من مبادرات ومواقف وتدابير، مع الإبقاء على اجتماع مكتب الجمعية منعقداً بشكل دائم لمتابعة الأوضاع عن كثب.
واختتم المكتب بيانه برسائل قوية ومؤكدة، جدد فيها التزامه بوحدة المحاماة المغربية، ورفضه القاطع لأي تراجع عن الدفاع عن كرامة المهنة ومؤسساتها ومكتسباتها، مردداً شعاراته الراسخة: عاشت المحاماة المغربية موحدة، عاشت المحاماة المغربية حرة ومستقلة، ولا تراجع عن الدفاع عن كرامة المهنة ومؤسساتها ومكتسباتها.



