آراء وتحاليلالرئيسية

عندما تخلط “لوموند” بين التحقيق والتحري الجورنالي وبين السرد الحكائي

بقلم: هشام رحيل (خبير في العلوم السياسية)

لقد عودتنا صحيفة لوموند الفرنسية على التحقيقات الصحفية الكبرى، وعلى التحريات الصبورة، التوثيقية والمتطابقة تقاطعاتها؛ عوّدتنا على ذلك الالنزام الذي يقتضي تحديداً عدم التعامل مع التسريبات بصفتها حقائق مطلقة، أو المَطالب بصفتها أدلة، أو الإخراج الرقمي بصفته معلومة مؤكدة.

ولهذا السبب تحديداً، يطرح طريقة تعاطي الصحيفة مع التحركات الأخيرة المنسوبة لمجموعة “جبروت” (Jabaroot) أكثر من علامة استفهام. بل إنها تُسائل اليوم، وبشكل أكثر عمقاً، مدى مصداقية منهجية صحفية يبدو أنها أضحت تفضل أحياناً قوة السرد والحبكة الحبكة على حساب التدقيق في الوقائع التي تُبنى عليها.

تدّعي الصحيفة اليومية أن مجموعة “جبروت” نشرت أسماء نحو 70 ألف عضو يُفترض أنهم ينتمون إلى أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية. الرقم مبهر، والهدف يسيل اللعاب، ومكونات المقال المثير مكتملة. غير أن التحقيق الصحفي لا يُقاس بمدى جاذبية عنوانه.

وعندما يتعلق الأمر بالمغرب، يبدو أن خطر الانزلاق نحو منطق الإثارة يكون حاضراً بشكل خاص. إذ غالباً ما يُعالج هذا البلد كـ”موضوع” يحمل شحنة سردية عالية: أجهزة سرية، مراقبة، قراصنة، معارضون، منفى، وتوترات دبلوماسية. كل العناصر متوفرة لنسج رواية مثيرة، لكن ذلك يأتي أحياناً على حساب الحذر والتحري. مع أن الكتابة عن المغرب لا ينبغي لها أن تعني البحث المستمر عن الزاوية الأكثر إثارة للرعب أو الأكثر مبيعاً.

وقبل إعطاء هذه الملفات صفة التسريب الكاشف الجديد، كان ينبغي أولاً الإجابة عن سؤال بديهي: هل هذه البيانات جديدة حقاً؟
إن أدنى قدر من البحث كان يجبر صحيفة لوموند على مقارنة الملفات المنشورة اليوم بتلك الناجمة عن التسريب الضخم الذي شهده المغرب في أبريل 2025؛ حين قامت مجموعة “جبروت” بنشر كمية هائلة من البيانات المنسوبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، والتي شملت زهاء مليوني شخص ومئات الآلاف من المؤسسات.
هذه المقارنة ليست تفصيلاً ثانويًا، بل هي جوهر الموضوع برمتة.
إن العثور اليوم على أسماء، أو أرقام تجميعية، أو أرقام بطاقات عالمية، أو تواريخ ميلاد، أو بيانات بنكية ضمن ملفات جديدة لا يثبت بأي حال من الأحوال حدوث اختراق جديد لأنظمة المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST).

فالبيانات القديمة يمكن فرزها، ومقاطعتها، وإعادة توضيبها، ثم طرحها للتداول تحت مسمى جديد.
وهذا في الواقع أحد التكتيكات الكلاسيكية في هذا النوع من العمليات: منح “حياة إعلامية جديدة” لبيانات قديمة عبر تغيير غلافها الخارجي فقط.

كانت المهمة الأولى للصحيفة تتلخص في تحديد مصدر هذه البيانات ومدى حديثيتها. كم منها كان موجوادً أساساً في ملفات 2025؟ كم منها يُعد فريداً ولم يُنشر من قبل؟ ما هو تاريخ آخر تحديث لها؟ وهل يوجد أدنى دليل تقني على وقوع اختراق حديث لأنظمة الأجهزة الأمنية المغربية؟
هذه الأسئلة كان يجب أن تسبق نشر المقال؛ لكنها أصبحت، ويا للغرابة، هي الأسئلة التي يجد القارئ نفسه مضطراً لطرحها بعد قراءته!

والأكثر إثارة للقلق هو كيفية تداول وتلقف وصف “70 ألف عنصر”. فالقاعدة الإدارية لا تتحول إلى دليل لاستخبارات الأجهزة لمجرد أن مجموعة من القراصنة قدمتها بهذا الشكل. إذ يمكن أن تضم موظفين عموميين، أطقمًا إدارية أو تقنية، أجراء سابقين، وفئات أخرى متعددة. وقبل تحويل 70 ألف هوية إلى 70 ألف عنصر في “أجهزة الأمن والاستخبارات”، يتوجب إثبات ذلك أولاً.

الهشاشة ذاتها تظهر في نسب العملية. تتطرق لوموند، “وفقاً لمعلوماتها”، إلى أن العملية من تنفيذ خمسة عناصر سابقين في “DGST” مقيمين في المنفى بأوروبا. إنه ادعاء في غاية الخطورة، ولكن ما هي المعطيات التي تسمح بإثباته؟ هل هو تحليل تقني؟ مسطرة قضائية؟ هويات تم التأكد منها بشكل رسمي؟ أم مصادر مستقلة ومتطابقة؟ لن يعرف القارئ عن ذلك شيئاً.

وهنا بالضبط يتجاوز الشعور بالإزعاج حدود هذا المقال.
فعندما تتمتع صحيفة بما تتمتع به لوموند من نفوذ وهيبة، لا ينبغي لفيصل “وفقاً لمعلوماتنا” أن يتحول إلى صيغة للالتفاف على تقديم الإثبات. فسمعة الوسيلة الإعلامية لا يمكن أن تظل بديلاً دائماً للبرهان.

المشكلة ليست بالطبع في كون لوموند تحقق في موضوع المغرب أو مؤسساته أو أجهزته الأمنية؛ فهذا حقها الطبيعي ويجب أن تمارسه بكل حرية ودون مجاملة. المشكلة تظهر عندما يبدو أن “التأطير” و”الزاوية” يسبقان التحقيق نفسه، وعندما تأتي العناصر المنتقاة لاحقاً فقط لتعزيز رواية مجهزة ومصنوعة سلفاً. ومع الاستمرار في تناول المغرب حصرياً من زاوية الفضيحة، أو التهديد، أو الغموض، تغامر الصحيفة بإعادة إنتاج قالب سردي نمطي بدلاً من تحليل الواقع الفعلي.

إن دور الصحفي ليس لعب دور الصدى لمجموعة “جبروت”. فأي مجموعة قراصنة تعتمد في تواصلها على إخراج منشوراتها وتوجيهها سينمائياً، وتختار أهدافها وتبني روايتها بهدف تحقيق أكبر قدر من الصدى. والتساوق مع هذا الطرح دون تفكيك آلياته يعني منح هذه المجموعة بالضبط ما تبحث عنه: شرعنة واعترافاً إعلامياً دولياً.

ولهذا السبب أيضاً يبعث هذا المقال على الخيبة.
ليس لأنه يحمل نبرة نقدية تجاه المغرب، بل لأنه صادر عن صحيفة عودتنا على ما هو أفضل من ذلك: التثبت والتقاطع قبل الجزم، والبرهنة قبل التلميح، وضع الأمور في سياقها قبل التهويل.
ومع الاستمرار في تحويل الفرضيات إلى يقينيات ضمنية، والمطالبات إلى روايات صحفية، تخاطر لوموند تدريجياً بالتفريط في الميزة التي كانت تشكل مصدر قوتها الحقيقي.
وعندما تبدأ وسيلة إعلامية في مطالبة قرائها بتصديق ما لم تعد تبذل الجهد الكافي لإثباته، فإن الأمر لا يتعلق حينها بجودة مقال يتيم، بل بالثقة الممنوحة للتوقيع الصحفي بأكمله.

يمكن لـ لوموند أن تواصل تحقيقاتها حول المغرب، وأن تتساءل وتنتقد؛ لكن لا يمكنها المطالبة بهيبة الصحافة الاستقصائية وفي الوقت نفسه التحلل من الركيزة الأساسية التي تقوم عليها: التحري أولاً، ثم السرد ثانياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى