
يعد التلوث الرقمي ظاهرة تشمل جميع أشكال التدهور البيئي الناتج عن قطاع تكنولوجيا المعلومات، بدءا من انبعاثات الغازات الدفيئة وصولاً إلى النفايات الإلكترونية. وتكمن المفارقة في أنه كلما زاد توجهنا نحو “الرقمنة”، زاد استهلاكنا الفعلي للمادة والطاقة.
يحدث الجزء الأكبر من هذا التلوث أثناء مرحلة تصنيع الأجهزة وليس أثناء استخدامها. فصناعة حاسوب محمول واحد تتطلب استخراج عشرات المعادن من مختلف قارات العالم، مثل التانتالوم من الكونغو والليثيوم من بوليفيا، وهي عملية تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة الأحفورية.
لتوضيح حجم الضرر، فإن إنتاج جهاز تلفاز واحد يتطلب استخراج 2.5 طن من المواد الخام ويولد 350 كجم من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل السفر من باريس إلى مراكش بالطائرة. وكلما زاد تعقيد وحجم الأجهزة، مثل شاشات 4K الكبيرة، تضاعف أثرها البيئي المدمر.
لا تقتصر المعاناة على البيئة، بل تمتد لتشمل مآسي إنسانية؛ حيث تُمول تجارة المعادن “الدامية” مثل التنجستن والقصدير الحروب الأهلية في أفريقيا، بينما تتسبب مناجم التربة النادرة في الصين في قذف سموم قاتلة في الهواء والماء والتربة.
عند انتهاء عمر هذه الأجهزة، تفشل أنظمة التدوير القانونية في التعامل مع 75% من النفايات الإلكترونية، التي يُنقل الكثير منها بشكل غير قانوني إلى دول مثل غانا، لتنتهي في مكبات مفتوحة تلوث النظم البيئية المحلية.
أما شبكة الإنترنت نفسها، فهي ليست “افتراضية”، بل تعتمد على معدات مادية وكابلات ومراكز بيانات تستهلك طاقة هائلة. ويمثل البث المباشر (Streaming) وحده 60% من تدفق البيانات العالمي، حيث يستهلك فيلم بدقة 4K طاقة تفوق البريد الإلكتروني العادي بـ 300 ألف مرة.
يحذر الخبراء من أن نشر تقنية الـ 5G قد يؤدي لزيادة البصمة الكربونية للقطاع الرقمي بنسبة تصل إلى 45% بحلول عام 2030. ويرجع ذلك أساساً إلى الحاجة لتغيير البنية التحتية وتشجيع المستخدمين على شراء أجهزة جديدة كلياً تتوافق مع هذه التقنية.
للحد من هذا التلوث، تبرز ضرورة إطالة عمر الأجهزة الحالية وتجنب فخ “التقادم المبرمج” الذي يمارسه المصنعون. ويُنصح بمقاومة الإعلانات الاستهلاكية، ومحاولة إصلاح الأجهزة المعطلة في “مقاهي الإصلاح” بدلاً من استبدالها.
في الجانب البرمجي، يجب الحد من مشاهدة الفيديوهات بالدقة العالية جداً (4K أو 8K) التي تستهلك طاقة أكبر، وتغيير الإعدادات لتعطيل التشغيل التلقائي للفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي لاستعادة السيطرة على استهلاك البيانات.
يمكن اتخاذ خطوات إضافية مثل رفض “الأشياء المتصلة” (IoT) غير الضرورية، وإطفاء جهاز “الراوتر” ليلاً نظراً لاستهلاكه العالي للكهرباء. كما تبرز أهمية محاربة الشاشات الإعلانية في المدن، التي يولد كل منها انبعاثات تعادل رحلة جوية ذهاباً وإياباً بين باريس ونيس سنوياً.



