الرئيسيةثقافةسياسة

من التوقيع إلى المنع… الأمن يُجهض نشاطا ثقافيا بالجزائر

لم تكد الجزائر تُنهي مشهدها الدبلوماسي المصقول خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر، حيث رُفعت شعارات “التسامح” و“الانفتاح”، حتى اصطدمت هذه الصورة بواقع مختلف تماما.

 

في قلب العاصمة، تدخلت الشرطة بشكل مفاجئ لمنع حفل توقيع كتاب «الهويات المتمرّدة: إعادة التفكير في تاريخنا» للباحثة فاطمة أوصديق، في خطوة أعادت النقاش حول حدود الحرية الفكرية في البلاد.

الواقعة لم تتوقف عند إلغاء النشاط الثقافي، بل تصاعدت إلى حجز نسخ الكتاب وإغلاق مكتبة «الفنون الجميلة» لمدة شهر كامل بقرار إداري. واعتبر ناشر العمل، مدير دار «كوكو»، أن ما حدث يشكل خرقا واضحا للدستور، خصوصا المادة 54 التي تنص على عدم توقيف أنشطة النشر دون سند قضائي.

هذا التدخل وضع الخطاب الرسمي في زاوية حرجة؛ فبينما تُسوّق الجزائر نفسها خارجيا كفضاء للتعددية، تكشف الممارسات الداخلية عن مقاربة أمنية متشددة تجاه كل ما يُلامس قضايا الهوية والذاكرة. الفجوة هنا لم تعد خفية، بل صارت موضوع مساءلة مفتوحة.

الكتاب الممنوع، الذي يُعد خلاصة 25 سنة من البحث السوسيولوجي، يقترب من ملفات حساسة، خاصة ما يتعلق بمنطقة ميزاب وأحداث غرداية، بعيدا عن القراءات السطحية. ويطرح أسئلة حول البنية السياسية والاجتماعية، رافضا السرديات الجاهزة التي تختزل الأزمة في بعدها المذهبي.

ويرى منتقدو قرار المنع أن الإشكال لا يكمن في محتوى الكتاب بقدر ما يرتبط بـ”فوبيا التمرد” داخل بنية السلطة، حيث يُنظر إلى أي محاولة لإعادة قراءة التاريخ أو تفكيك الخطاب الرسمي كتهديد محتمل. وهنا يتحول البحث الأكاديمي إلى ملف أمني.

لكن paradox المنع لم يتأخر في الظهور؛ فبمجرد حجز النسخ الورقية، انتقل الكتاب إلى الفضاء الرقمي، ليتحول إلى مادة متداولة على نطاق واسع. ما حدث أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ما زالت الرقابة التقليدية قادرة على احتواء الأفكار في زمن بلا حدود؟

اعداد: كنزة البخاري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى