منشأة نبيذ وحمامات عمومية.. “ريغا” الأثرية تبوح بأسرار الاستيطان الموري والروماني

تواصل المواقع الأثرية بالمغرب كشف طبقات جديدة من التاريخ القديم، حيث تبرز منطقة “ريغا” الأثرية كأحد الشواهد المهمة على تعاقب حضارات الاستيطان الموري والروماني، وما خلفته من معمار ووظائف حضرية تعكس مستوى التنظيم الاجتماعي والاقتصادي آنذاك.
فقد أظهرت معطيات أثرية حديثة أن الموقع كان يحتضن منشآت مرتبطة بإنتاج النبيذ، إلى جانب حمامات عمومية، ما يعكس نمط عيش متطوراً نسبياً داخل هذا المجال خلال الفترات القديمة، ويؤكد اندماجه في شبكات إنتاج وتبادل كانت تمتد عبر مناطق واسعة من شمال إفريقيا.
تشير بقايا المعمار المكتشفة إلى أن الموقع لم يكن مجرد تجمع سكاني بسيط، بل فضاءً منظمًا يضم وظائف متعددة، من بينها تحويل العنب إلى نبيذ، وهو نشاط اقتصادي كان شائعاً في الفترة الرومانية، ويرتبط بطلب واسع على هذه المادة داخل المدن والمراكز التجارية آنذاك.
كما تعكس الحمامات العمومية المكتشفة مستوى من التمدن والتأثير الروماني، حيث كانت هذه المنشآت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، ومؤشراً على وجود بنية حضرية قائمة على التنظيم والخدمات المشتركة.
يرى باحثون في التاريخ القديم أن موقع “ريغا” يجسد مرحلة انتقالية مهمة بين الإرث الموري المحلي والتأثير الروماني القادم من حوض المتوسط، حيث امتزجت التقاليد المحلية بالأنماط العمرانية والإدارية الوافدة، في إطار عملية تفاعل حضاري طويل الأمد.
هذا التداخل يظهر بوضوح في طبيعة المنشآت المكتشفة، التي تجمع بين وظائف اقتصادية وخدمات اجتماعية، تعكس درجة من الاندماج داخل منظومة أوسع كانت تربط شمال إفريقيا بالعالم الروماني.
تمنح هذه الاكتشافات قيمة مضافة لفهم تاريخ الاستيطان القديم في المنطقة، إذ تساعد على إعادة بناء صورة أوضح حول طبيعة الحياة اليومية، وأنماط الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية في تلك المرحلة.
كما تؤكد أن عدداً من المواقع الأثرية بالمغرب ما زالت تحمل في طياتها معطيات غير مكتشفة بالكامل، يمكن أن تسهم في إعادة كتابة أجزاء مهمة من التاريخ القديم للمنطقة.
بين آثار منشآت النبيذ وبقايا الحمامات العمومية، تواصل “ريغا” الأثرية الكشف عن ملامح حياة حضرية متقدمة نسبياً، تعكس تداخل الحضارة المورية بالتأثير الروماني.
وبذلك، يظل هذا الموقع شاهداً صامتاً على تاريخ طويل من الاستيطان والتفاعل الحضاري، ينتظر المزيد من البحث والتنقيب لإماطة اللثام عن تفاصيله الكاملة.



