الأمن السيبراني للمؤسسات الحكومية: رؤية تقنية وسياسية لبناء بنية رقمية آمنة

الرئيسيةآراء وتحاليلالأمن السيبراني للمؤسسات...

يشترك

تعرضت وزارة التشغيل المغربية إلى هجوم سيبراني معقد، مما أثار تساؤلات عميقة حول قدرة المؤسسات الحكومية على حماية أنظمتها الرقمية من التهديدات المتزايدة في عالم التكنولوجيا الحديثة. الهجوم، لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كشف عن خلل هيكلي في منظومة الأمن الرقمي للمؤسسات العمومية المغربية.

شخصيا، وودت أن أطلع على ما كتب في هذا السياق سواء قراءات تحليلات إعلامية مقالات رأي، والأكثر من ذلك استشارة خبراء ومختصين في الشأن السيبراني، ومنه محاولة فهم -ما أمكن- الحيثيات التقنية لهذا الإشكال، خصوصا وأن الأمر ليس مسألة متعلقة بتأثير بشري محض، نحن نتحدث عن التكنولوجيا بما لها وما عليها من أبعاد تقنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وحتى عسكرية، وبالتالي فالتحليلات التي ترنو دائما شيطنة عمل مؤسسات الدولة أو التنقيص من جهودها لا يعدو أن يكون غير عارف بخبايا الأمور واشكالاتها في عالم أضحت فيه التقنية المعيار الأساسي للفعل وردة الفعل.

الإشكال هنا، وهو ما يصدم المتابع في هذه القضية هو القرار المتخذ بوضع بيانات عامة محكومة بقانون حماية المعلومات الخاصة للأفراد في خدمة سحابية خاصة ، في الوقت الذي لا تملك فيه الوزارة الإمكانيات اللازمة لتأمين هذه المعطيات عند شركة خدمات معلوماتية خارجية. هذا التصرف يعكس نمطاً كلاسيكياً في التدبير والتعامل مع المخطط الأمني للمؤسسات العمومية، والذي يفترض أن يخضع للقوانين الصارمة التي تحمي المعطيات الشخصية للمواطنين وتمنع مثل هذه التصرفات على المستوى التقني.

عند تحليل هذه الحادثة من منظور تقني، يتضح أن المشكلة ليست في نقص الحلول التكنولوجية، بل في سوء توظيفها وغياب استراتيجية متكاملة للتعامل مع البيانات الحساسة. لا يمكن الاكتفاء بإلقاء اللوم على الشركات الأجنبية المزودة للخدمات، فالمسؤولية الأساسية تقع على عاتق متخذي القرار الذين لم يلتزموا بالإجراءات الوقائية الضرورية، ولم يراعوا الضوابط القانونية المتعلقة بحماية البيانات الشخصية. تعزيز آليات الكشف المبكر عن الهجمات والتشفير المتقدم للبيانات هي خطوات أساسية، لكنها تبقى عديمة الفائدة إذا كانت السياسات الإدارية تتجاهل المخاطر الأساسية من خلال اتخاذ قرارات لا تراعي الأبعاد الأمنية.

تظهر هذه الحادثة أهمية التكامل بين الجانبين التقني والإداري في بناء منظومة أمن سيبراني فعالة. فتحسين الجدران النارية (Firewalls) ونظم الكشف عن التسلل (IDS) ضروري، لكن يجب أن يصاحبه تحول في الوعي الإداري والتزام صارم بالمعايير القانونية. الخطورة تكمن في أن المؤسسات الحكومية قد تستثمر ملايين الدراهم في حلول تقنية متطورة، ثم تقوض هذه الجهود بقرارات إدارية تتجاهل القواعد الأساسية للأمن السيبراني، كإيداع بيانات حساسة لدى طرف ثالث دون ضمانات كافية لحمايتها.

إن تدريب الفرق المختصة في الأمن السيبراني ضروري، لكنه يجب أن يترافق مع سياسة حازمة تُلزم جميع المسؤولين بالتقيد بالإجراءات الأمنية واحترام الإطار القانوني. فالقرارات الإدارية الخاطئة يمكن أن تُفشل أكثر الأنظمة التقنية تطوراً، وهذا ما حدث فعلاً في حالة وزارة التشغيل، حيث تم تجاوز المخطط الأمني للمؤسسة العمومية وإهمال القوانين التي تنظم حماية المعطيات الشخصية للأفراد.

وعلى مستوى أخر يجب إعادة النظر في آليات الرقابة والمساءلة المتعلقة بإدارة المعلومات الرقمية في المؤسسات الحكومية، وينبغي وضع إطار تشريعي يفرض عقوبات صارمة على المسؤولين الذين يتهاونون في تطبيق معايير الأمن السيبراني، ويتخذون قرارات ترقى إلى مستوى التفريط في أمن المعلومات الوطنية. كما يجب تعزيز الشفافية في عمليات التعاقد مع الشركات الخارجية، وضمان أن تكون هذه العمليات خاضعة لمعايير أمنية صارمة تحمي البيانات الوطنية من أي اختراق محتمل.

في الأخير، إن قضية أمن المعلومات في المؤسسات العمومية المغربية ليست مجرد تحدٍ تقني، بل هي تحدٍ إداري وسياسي وقانوني بامتياز. فالهجوم الذي تعرضت له وزارة التشغيل يجب أن يشكل نقطة تحول في التعامل مع هذا الملف، بحيث يتم الانتقال من مقاربة تقنية محدودة إلى مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الإدارية والقانونية والسياسية للمسألة. فالحديث عن الأمن السيبراني للمؤسسات الحكومية يتجاوز الحديث عن إجراءات تقنية بسيطة بين لوحة المفاتيح والعمليات المرسومة في الشاشة، الأمن السيبراني ضرورة استراتيجية لحماية المصالح الوطنية في عصر أصبحت فيه المعلومات أثمن من الذهب، والتفريط فيها يرقى إلى مستوى التهديد للأمن القومي.

ذ.المهدي كمال الحجام

Copyright © River News

شاب هولندي يهزم أنظمة...

أعلنت الشرطة الهولندية، عن اعتقال رجل يبلغ من العمر 34 عامًا من سكان أمستردام، في...

شاب هولندي يهزم أنظمة “بصمة الوجه” ويصنع 46 حسابا بنكيا مزيفا

أعلنت الشرطة الهولندية، عن اعتقال رجل يبلغ من العمر 34 عامًا من سكان أمستردام، في سابقة خطيرة تتعلق باستخدام تقنيات "التزييف العميق" (Deepfakes) لاختراق...

ارتفاع منسوب السدود في المغرب اليوم أرقام جديدة تغير المشهد المائي

شهدت مجموعة من سدود المملكة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في مواردها المائية، بفضل واردات مائية متفاوتة ساهمت في تحسين نسب الملء...

GOMYCODE وYASSIR تعززان التحول الرقمي في المغرب عبر الذكاء الاصطناعي

في سياق الاهتمام المتزايد بالذكاء الاصطناعي داخل المغرب والمنطقة الإفريقية، أعلنت كل من GOMYCODE، المؤسسة الإفريقية البارزة في التكوين الرقمي، وYASSIR، الشركة الناشئة الدولية...

“بدون ‘باك’ وبدون رسوم.. كيف تصبح مبرمجاً محترفاً في مدرسة 1337؟

الدراسة في مدرسة 1337 مجانية بالكامل. لا توجد أي رسوم للتسجيل، ولا مصاريف دراسية، سواء لاجتياز اختبارات الانتقاء (المعروفة بـ "Piscine") أو لمتابعة المنهج الدراسي...

يعني التعليق على هذه المشاركة أنك توافق على شروط الخدمة . هذه اتفاقية مكتوبة يمكن سحبها عندما تعبر عن موافقتك على التفاعل مع أي جزء من هذا الموقع.

المغرب يحدث مركزا وطنيا للابتكار...

في خطوة استراتيجية لتعزيز قدرات المغرب في مواجهة التهديدات السيبرانية المتصاعدة، صادقت الحكومة رسمياً على إحداث مركز وطني للابتكار...
spot_img

محمد خباشي.. صوت الوطن الذي أسقط أقنعة محترفي التشهير والابتزاز

تخيل أن تقف شامخاً كالجَبال أمام آلة تشهيرية لا تُحرك فيك ساكناً.. هذا هو السيد محمد خباشي، رجل وطني عرفه من اشتغلوا معه بصرامته...

أنوار قورية يكتب: جبروت المغربية… نهاية المحطة المرجو النزول

يبدو أن قطار التضليل الذي كانت تقوده مجموعة “جبروت المغربية” قد بلغ نهايته، بعدما أعلنت هذه الأخيرة توقفها عن بثّ الأكاذيب والترويج للدعايات المسمومة...

الأمن السیبراني والتوترات الإقلیمیة: المغرب في مواجھة شكل جدید من النزاع

بقلم رضوان بواحلیح في 8 أبریل 2025، تعرض المغرب لھجوم سیبراني واسع النطاق ھز أسس أمنه الرقمي. فقد أعلن قراصنة من مجموعة تُدعى "جبروت" مسؤولیتھم...